ابن رشد
176
تهافت التهافت
قيل في كتاب المقولات : إن كليات الأشياء المعقولة إنما صارت موجودة بأشخاصها وأشخاصها معقولة بكلياتها ، وقيل في كتاب النفس : إن القوة التي بها يدرك أن الشيء مشار إليه وموجود غير القوة التي يدرك بها ماهية الشيء المشار إليه ، وبهذا المعنى قيل : إن الأشخاص موجودة في الأعيان والكليات في الأذهان ، فلا فرق في معنى الصادق في الموجودات الهيولانية والمفارقة . وأما قول القائل : إن الوجود أمر زائد على الماهية وليس يتقوم به الموجود في جوهره فقول مغلّط جدا ، لأن هذا يلزمه أن يكون اسم الموجود يدل على عرض مشترك للمقولات العشر خارج النفس وهو مذهب ابن سينا ، ويسأل عن ذلك العرض إذا قيل فيه إنه موجود ، هل يدل على معنى الصادق أو على عرض موجود في ذلك العرض ، فتوجد أعراض لا نهاية لها ، وذلك مستحيل ، وقد بينا هذا في غير ما موضع . وأظن أن هذا المعنى هو الذي رام أبو حامد أن ينفيه عن المبدأ الأول وهو منفي عن جميع الموجودات فضلا عن الأول إذ هو اعتقاد باطل . ولما ذكر هذا المعنى من الاتحاد من قولهم أخذ يذكر ما ناقضوا به أنفسهم في هذا المعنى مما يظن بهم . فقال ( أبو حامد ) : ومع هذا فإنهم يقولون للباري تعالى أنه مبدأ وأول وموجود وجوهر وواحد وقديم وباق وعالم وعقل وعاقل ومعقول وفاعل وخالق ومريد وقادر وحي وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ وجواد وخير محض ، وزعموا أن كل ذلك عبارة عن معنى واحد لا كثرة فيه وهذا من العجائب . ثم قال : فينبغي أن نحقق مذهبهم لتفهمه أولا ، ثم نشتغل بالاعتراض ، فإن الاعتراض على المذهب قبل تمام التفهم رمي في غاية البعد . والعمدة في فهم مذهبهم أنهم يقولون : ذات المبدأ واحد وإنما تكثر الأسامي بإضافة شيء إليه أو إضافته إلى شيء أو سلب شيء عنه والسلب لا يوجب كثرة في ذات المسلوب عنه ولا الإضافة توجب كثرة فلا ينكرون إذن كثرة السلوب وكثرة الإضافات ، ولكن الشأن في رد هذه الأمور كلها إلى السلب والإضافة . فقالوا : إذا قيل له أول فهو إضافة إلى الموجودات بعده . وإذا قيل مبدأ فهو إشارة إلى أن وجود غيره منه وهو سبب له فهو إضافة إلى معلولاته . وإذا قيل موجود فمعناه معلوم . وإذا قيل جوهر فمعناه الوجود مسلوبا عنه الحلول في موضوع وهذا سلب . وإذا قيل قديم فمعناه